رفيق الحريري واستراتيجية التنمية البشرية والاجتماعية

رفيق الحريري واستراتيجية التنمية البشرية والاجتماعية

 

كتب عبد الرؤوف سنو *: التعليم وبناء الإنسان وبناء الوطن، هدف متكامل كان الشغل الشاغل للشهيد رفيق الحريري، الذي اعتبره مشروع حياته كلها. وهناك إجماع في لبنان والعالم على ان الحريري كسر من خلال مؤسسته (مؤسسة الحريري) حكر التعليم العالي والحصول على الرعاية الصحية الاجتماعية على أبناء الطبقات الميسورة والغنية، إذ أفسح في المجال أمام أبناء الطبقات المتوسطة ومحدودي الدخل متابعة تعليمهم العالي وحصولهم على رعاية صحية اجتماعية مستمرة.

وتعتبر مؤسسة الحريري الأكبر والأكثر تميزا في الوطن العربي على الصعيد الإنمائي والتنمية البشرية. ولا تتجلى انجازاتها في عدد من استفادوا من برامجها، الذين تجاوزا 32 ألف طالب وطالبة وبلغت كلفتهم نحو 900 مليون دولار أميركي، ولا في نوعية الخدمات الصحية الاجتماعية التي تقدمها وحجمها على مستوى الوطن (5,1 مليون خدمة)، ولا كذلك في المشاريع التنموية المتعددة الأهداف لجمعية بيروت للتنمية الاجتماعية، بل كذلك في المعاني الإنسانية والثقافية والتنموية. لقد عبّر الحريري عن هذا ببعد استراتيجي عندما قال: "إن أملي في فتح أبواب الجامعات والمعاهد العليا أمام المواهب والكفاءات المغمورة، كان الحافز وراء إنشاء المؤسسة. فالإنسان هو ثروة لبنان الأساسية والعناية بالإنسان اللبناني تعليما وتثقيفا وتنويرا هو الوسيلة الفضل لبناء لبنان الغد".

ولا يمكن فهم هذه الاستراتيجية الشمولية القائمة على الانسان، إلا إذا عرفنا فلسفة الحريري في التربية المواطنية. فدلّت تصرفاته على بُعد عن التعصب والطائفية والمذهبية والمناطقية. فهو ابن الجنوب، ويعمل من أجل لبنان، وهو المسلم، ويفتح أبواب مؤسسته أمام جميع اللبنانيين من دون استثناء، وهو البعيد عن الوطن -أثناء اقامته خارج لبنان- ويحس بقضاياه ومعاناته. همّ واحد تملكه: كيف يؤسس للبنان جديد في زمن يعمل فيه الكثيرون على دكّ جسور التعايش بين عائلاته الروحية؟ وفي هذا يقول: "الوطن، أي وطن ليس مجرد منتجع نؤمه ساعة نشاء، ونتركه ساعة نشاء. إن الوطن مسؤولية وتضحية وتفاعل واحساس مع المواطنين ومشاكلهم. فالأوطان لا تبنى بالتعصب والتطرف، والانزلاق وراء الأهواء الشخصية، إنما تُبنى بالعمل الجاد المسؤول، وعندما نضع الوطن فوق الجميع، عندها يبقى الوطن، ويبقى الجميع. ولكن عندما يضع الجميع أنفسهم فوق الوطن، فمن المؤكد ان الوطن سيضيع، وسيضيع معه الجميع".

التعليم من أجل المستقبل

تعود انطلاقة "مؤسسة الحريري" الى صيدا عام 1979. وحتى عام 1985، أنشأت المؤسسة "المجمع الثقافي والطبي في كفرفالوس"، الذي ضم سبعة مراكز إنمائية ثقافية وتعليمية وصحية وطبية وخدماتية ورياضية. لكن الحقد الصهيوني الطائفي كان بالمرصاد لهذا المشروع العملاق. فتعرض للتدمير والنهب أثناء الاجتياح الإسرائيلي وأحداث شرق صيدا على التوالي عامي 1982 و1985، وبلغت خسائره 300 مليون دولار. أما الخسارة الأكبر، فكانت في حرمان لبنان من صرح علمي وخدماتي كان الأول من نوعه في الشرق الأوسط.

ومنذ ان استقرت المؤسسة في بيروت عام 1984، بدأت تولي التعليم الجامعي اهتماما شموليا، عبر تقديم "القروض" الى الطلاب الجامعيين وتأمين المقاعد الدراسية لهم، هذا فضلا عن دفع الأقساط وتكاليف المعيشة والاقامة وأثمان الكتب والنقل والضمان الصحي. إن اختيار بيروت مقرا للمؤسسة كان من أجل تأكيد صفة الوطنية على العمل الخيري من جهة، ولأن بيروت هي العاصمة التي تحتضن الجميع. شهدت المؤسسة في انطلاقتها الثانية في بيروت نموا مذهلا، بعدما تبين ان الحريري يقدم "القروض" بسخاء ومن دون اذلال، إلا لأصحاب الحاجات المادية والراغبين في متابعة تحصيلهم العالي. وإذا علمنا انها لا ترغم الطلاب على إعادة "القروض" تاركة لهم قرار إعادتها، يتبين لنا ان هذه "القروض" كانت في الحقيقة منحا وهبها الحريري الى اللبنانيين.

يتضح النمو المذهل لمؤسسة الحريري من خلال تصاعد أعداد الطلاب في برامج التأهيل اللغوي والعلمي داخل لبنان وخارجه، وبالنمو المضطرد لعدد المستفيدين بين عامي 1984 و1995، حيث استقر على 32300 طالب وطالبة. ان عدم قدرة مؤسسات التعليم العالي في لبنان على استيعاب كل هؤلاء من جهة، وسياسة المؤسسة في ان يحتك الطلاب اللبنانيون بالثقافات العالمية ويطلعوا على التطور الحضاري والعلمي الذي حققه الغرب من جهة أخرى جعل الحريري يعمد الى إلحاق عدد كبير من الطلاب في جامعات أميركية وأوروبية في الخارج.

بالإضافة الى القروض الجامعية التي استفاد منها قرابة 32000 طالب وطالبة، تركزت نشاطات المؤسسة على ثلاثة برامج متكاملة، هي: التأهيل الجامعي على الصعيدين اللغوي والأكاديمي تمهيدا للالتحاق بالجامعات والمعاهد داخل لبنان وخارجه. وتضمن هذا البرنامج تأهيل المستفيدين في اللغتين الانكليزية والفرنسية داخل البلاد وخارجها؛

- التأهيل الطبي، وهو الذي ضمن للعشرات من الأطباء حملة الشهادات في الاختصاص العام الالتحاق بسنة تأهيلية في مواد نظرية وتطبيقية في مستشفيات لبنان، ومن ثم الحصول على مقعد للتخصص في لبنان.

- التوجيه والارشاد المهني للطلاب، الذي تقوم به المؤسسة كل عام، بناء على واقع القوى العاملة في لبنان وحاجات سوق العمل.

ولا تكمن أهمية المؤسسة في أعداد الطلاب المستفيدين من برامجها فحسب، وإنما في نوعية الاختصاصات وأمكنة الحصول عليها وإيلاء الفتاة اللبنانية أهمية استراتيجية. فحلت فروع الهندسة في المرتبة الأولى بنسبة 22%، تلتها إدارة الأعمال 21%، فالعلوم العامة 18%، والعلوم الطبية 14% والعلوم الإنسانية بنسبة 9%. وتوزعت النسبة المتبقية على علوم أخرى. أما لجهة البلدان، فتوزع الطلاب كما يلي: 40,72% في لبنان، 80,17% في أوروبا ودول شمال افريقيا، 80,9% في الولايات المتحدة الأميركية. كما يلاحظ إقبال الإناث على الاستفادة من برامج التعليم خارج لبنان، حيث بلغت هذه النسبة في عام 1990 15%، مقابل 85% للذكور. لكن هذه الصورة سرعان ما تتغير بالنسبة الى الفتيات اللواتي تلقين التعليم الجامعي داخل لبنان، إذ بلغت 67,36% مقابل 33,63% للذكور. وعلى كل حال، فنسب الإناث اللواتي تلقين التعليم خارج لبنان، تعتبر مرتفعة، هذا إذا ما أخذنا في عين الاعتبار العوائق التي تعترض الفتاة في السفر والاقامة خارج البلاد. إن تشجيع المؤسسة الطلاب على الدراسات العليا يظهر بوضوح في الأرقام التالية: بين عامي 1984 و1999، أنجز 835 طالبا وطالبة أطاريح في مختلف الاختصاصات النظرية والبحتة والتطبيقية، منهم نحو 299 في الولايات المتحدة الأميركية، و526 في أوروبا، و10 في البلدان العربية ولبنان.

وبسبب تردي الوضع الاقتصادي في لبنان خلال الحرب، كادت مؤسسات تربوية ان تغلق أبوابها لولا استراتيجية الحريري التي قضت بعدم اغلاق أية مؤسسة تعليمية. فتولت مؤسسة الحريري منذ عام 1985 مسؤولية ثلاث مدارس في بيروت: "ثانوية الحريري الأولى" و"ثانوية الحريري الثانية"، و"مدرسة الحريري الثالثة". وسبق تلك الجهود إنشاء "ثانوية رفيق الحريري" في صيدا عام 1985، التي كانت في الأصل مدرسة تابعة لمجمع كفرفالوس. وفي عام 1996، أسس الحريري في صيدا مدرسة شبه مجانية هي "مدرسة الحاج بهاء الدين الحريري". واليوم يتلقى قرابة 10 آلاف من التلاميذ التعليم الجيد في كل مدارس الحريري. وبمبادرة منه ومتابعة دقيقة، حصلت بيروت في عام 2004 على عشر مدارس جديدة كانت في أمس الحاجة إليها.

وعلى خط مواز، اهتم الحريري بالتعليم العالي. فقام أثناء الحرب وبعدها بدعم مؤسسات التعليم العالي وجمعيات خيرية لتمكينها من الصمود او تطوير نفسها. وفي عام 1997، ساهم الحريري مع الجامعة اللبنانية في إنشاء "المعهد الجامعي للتكنولوجيا" بالتعاون مع الفرنسيين. وفي 1999، بدأت "جامعة الحريري الكندية" في المشرف تستقبل الطلاب في اختصاصات الهندسة الكهربائية والالكترونية والمعلوماتية. فضلا عن ذلك، تقوم المؤسسة برعاية "جمعية خريجي مؤسسة الحريري" والاشراف على المركز الثقافي في صيدا، وتتولى اقامة الندوات ومعارض الكتب والفنون ورعاية النشاطات الثقافية والعلمية الاجتماعية وترميم الأماكن الأثرية والتراثية وتكريم المتفوقين.

 

الصحة حق مشروع لكل إنسان

 انطلاقا من هذه الرؤية، وتحسسا بأوضاع محدودي الدخول، أسس الحريري في مطلع عام 2000 "مديرية الصحة الاجتماعية"، ووضع لها هدفا استراتيجيا، وهو "تقديم رعاية صحية أولية شاملة ومستمرة ذات جودة عالية لكل انسان" بكلفة شبه مجانية. إن المتابعة المستمرة عبر البطاقة الصحية لكل مريض (نحو 150 ألف بطاقة) وتقديم المشورة اليه مباشرة او عبر الانترنت، والتركيز على الوقاية وزيادة الوعي الصحي عند الناس عن الأمراض العادية والمزمنة عبر المحاضرات والمتابعة الصحية المدرسية، تهدف كلها الى استباق وقوع المرض او التخفيف من مضاعفاته ومن كلفة الفاتورة الصحية.

 

وفي مجال الصحة والأمن الاجتماعي، تتدخل المديرية مع الفرد والأسرة، فيُساعد اليتيم ضمن أسرته وتؤهل الأم مهنيا، وتُقدم المساعدات المادية الشهرية للأرامل، وتجري متابعة الجنسين في مراحل الطفولة المبكرة والبلوغ والزواج، فضلا عن الأمومة وإقامة الدورات التثقيفية الصحية والاجتماعية والسلوكية.

 

يمكن اختصار إنجازات مديرية الصحة بإنشاء 12 مركزا موزعة في كل أنحاء لبنان، وبإجمالي الخدمات التي قدمت الى المواطنين خلال 60 شهرا على إنشائها، والتي تقدر بأكثر من 5,1 مليون خدمة. أما عن الموازنة السنوية لهذا المشروع الكبير، فتقدر بما بين 54 ملايين دولار أميركي.

 

التعاضد الاجتماعي والتنمية البشرية

 واستكمالا لأهداف التنمية البشرية، أسس الحريري عام 2000 "جمعية بيروت للتنمية الاجتماعية" لتنفيذ برامج تربوية واجتماعية وإنسانية تتعلق بتنمية المهارات والتنمية الفكرية والتنمية التربوية وخدمة المجتمع والنوادي الدائمة والندوات والمساعدات الاجتماعية والرمضانية. ويقوم بهذه البرامج والنشاطات 15 مركزا اجتماعيا وثقافيا في بيروت وضواحيها، انطلاقا من المركز الأم في فردان، وتطال أكثر من 48 ألف فرد ومستفيد. أما مجموع الذين استفادوا من مكتب "مساعدات الحريري" خلال عام 2001، فبلغ 7372 مستفيدا. وفي السنة نفسها، وزعت الجمعية 130 الف حصة غذائية على العائلات المحتاجة بمناسبة شهر رمضان المبارك. أخيرا، إن الحس الإنمائي الوطني الذي تميز به الشهيد رفيق الحريري يظهر بوضوح، على سبيل المثال لا الحصر، من خلال آلاف الخريجين المنتشرين الناشطين في لبنان والعالم، وفي إعادة إعمار وسط بيروت. فهذه جميعها شواهد على ان بناء الحجر والبشر كانت بالنسبة الى الراحل العملاق استراتيجية متكاملة لبناء الإنسان وتوفير الظروف الحياتية والمعيشية الكريمة له.

 

* أستاذ في الجامعة اللبنانية وعميد سابق لكلية التربية.

مقال قديم من عام 2005، نشره الدكتور عبد الرؤوف سنو في صحيفة "السفير" عن انجازات الرئيس رفيق الحريري في المجالات الاجتماعية والصحية والتعليمية، ونعيد نشره هنا كي يبقى في ذاكرتنا أهمية هذا الرجل الذي خسره لبنان والعرب.